محمد هادي معرفة

101

التفسير الأثري الجامع

حرمتها والأخذ بقداستها . نعم حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ . حيث لا ينبغي المداهنة مع المعتدي الهاتك لحرمات اللّه . ليستغلّوها فرصة لضرب المؤمنين ، فيما حسبوا منهم عدم المقابلة حينذاك . ومن ثمّ فقد حلّ التقاصّ والمقابلة بالمثل : فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ لحينهم من غير إمهال . كَذلِكَ أي مقابلة اللّدّة بالشّدّة جَزاءُ الْكافِرِينَ جزاء متناسبا مع صنيعهم اللئيم . أمّا فَإِنِ انْتَهَوْا وارعووا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . والانتهاء الّذي يستأهل غفران اللّه ورحمته ، هو الانتهاء عن لدد الكفر والشقاق ، لا مجرّد الانتهاء عن قتال المسلمين أو فتنتهم عن الدين على حين فترة . فالانتهاء عن ذلك قصاراه أن يهادنهم المسلمون في فترة محدودة ، ولكنّه لا يؤهّل لمغفرة اللّه ورضوانه . فالتلويح بالمغفرة والرحمة هنا يقصد به إطماع الكفّار في الدين ، وإعادة النظر في صنيعهم هذا اللدود . وليرعووا عن الجهل إلى الرشاد ، علّهم ينالوا المغفرة والرضوان ، بعد ذاك التمادي في الكفر والعدوان . * * * ثمّ أخذ - سبحانه - في بيان السرّ لهذه المقابلة والمناجزة ضدّ الكفر والشقاق . وأنّ الجماعة المسلمة مكلّفة أن تظلّ تجاهد وتكافح حتّى تقضي على هذه القوى المعتدية والظالمة ، قضاء على جذورها في الأعماق . وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ . وكرّر إلقاء الضوء على جانب رحمة الإسلام وعطفه الشفيق على بني الإنسان ، مهما أخذوا في العتوّ والنفور . قوله تعالى : وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [ 2 / 5291 ] أخرج أحمد والثعلبي عن سليم بن عامر ، قال : سمعت المقداد بن الأسود يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلّا أدخله اللّه كلمة الإسلام ، بعزّ عزيز أو ذلّ ذليل ؛ إمّا يعزّهم اللّه - عزّ وجلّ - فيجعلهم من أهلها فيعزوا به ، وإمّا يذلّهم فيدينون لها » « 1 » .

--> ( 1 ) مسند أحمد 6 : 4 ؛ الثعلبي 2 : 89 / 69 ؛ كنز العمّال 1 : 98 / 437 ؛ أبو الفتوح 3 : 74 - 75 ؛ مجمع الزوائد 6 : 14 ، قال الهيثمي : ورجال الطبراني رجال الصحيح .